محمد بن جرير الطبري

329

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

في عقده ، وذلك قول أبي حنيفة وأصحابه . والصواب من القول في ذلك ما قاله ابن عباس ومن قال بقوله من أن الواجب من ذلك للمرأة متعة المطلقة على الرجل على قدر عسره ويسره ، كما قال الله تعالى ذكره : عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ لا على قدر المرأة . ولو كان ذلك واجبا للمراة على قدر صداق مثلها إلى قدر نصفه لم يكن لقيله تعالى ذكره : عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ معنى مفهوم ، ولكان الكلام : ومتعوهن على قدرهن وقدر نصف صداق أمثالهن . وفي إعلام الله تعالى ذكره عباده أن ذلك على قدر الرجل في عسره ويسره ، لا على قدرها وقدر يصف صداق مثلها ما يبين عن صحة ما قلنا وفساد ما خالفه . وذلك أن المرأة قد يكون صداق مثلها المال العظيم ، والرجل في حال طلاقه إياها مقتر لا يملك شيئا ، فإن قضي عليه يقدر نصف صداق مثلها ألزم ما يعجز عنه بعض من قد وسع عليه ، فكيف المقدور عليه ؟ وإذا فعل ذلك به ، كان الحاكم بذلك عليه قد تعدى حكم قول الله تعالى ذكره : عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ ولكن ذلك على قدر عسر الرجل ويسره ، لا يجاوز بذلك خادم أو قيمتها ، إن كان الزوج موسعا ، وإن كان مقترا فأطاق أدنى ما يكون كسوة لها ، وذلك ثلاث أثواب ونحو ذلك ، قضي عليه بذلك وإن كان عاجزا عن ذلك فعلى قدر طاقته ، وذلك على قدر اجتهاد الإِمام العادل عند الخصومة إليه فيه . واختلف أهل التأويل في تأويل قوله : وَمَتِّعُوهُنَّ هل هو على الوجوب ، أو على الندب ؟ متعة المطلقة فقال بعضهم : هو على الوجوب يقضي بالمتعة في مال المطلق ، كما يقضى عليه بسائر الديون الواجبة عليه لغيره وقالوا : ذلك واجب عليه لكل مطلقة كائنة من كانت من نسائه . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد بن زريع ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قال : كان الحسن وأبو العالية يقولان : لكل مطلقة متاع متعة المطلقة دخل بها أو لم يدخل بها وإن كان قد فرض لها . حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا ابن علية ، عن يونس أن الحسن كان يقول : لكل مطلقة متاع وللتي طلقها قبل أن يدخل بها ولم يفرض لها متعة المطلقة . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الوهاب ، قال : ثنا أيوب ، عن سعيد عن جبير في هذه الآية : وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ قال : متعة المطلقة لكل مطلقة متاع بالمعروف حقا على المتقين . حدثني يعقوب ، قال : ثنا ابن علية ، عن أيوب ، قال : سمعت سعيد بن جبير يقول : لكل مطلقة متاع متعة المطلقة . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع ، قال . كان أبو العالية يقول : لكل مطلقة متعة المطلقة ، وكان الحسن يقول : لكل مطلقة متعة . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا أبو عامر ، قال : ثنا قرة ، قال : سئل الحسن ، عن رجل طلق امرأته قبل أن يدخل بها وقد فرض لها ، هل لها متاع متعة المطلقة ؟ قال الحسن : نعم والله . فقيل للسائل ، وهو أبو بكر الهذلي : أو ما تقرأ هذه الآية : وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ قال : نعم والله . وقال آخرون : المتعة للمطلقة على زوجها المطلقها واجبة ، ولكنها واجبة لكل مطلقة سوى متعة المطلقة المفروض لها الصداق . فأما المطلقة المفروض لها الصداق إذا طلقت قبل الدخول بها ، فإنها لا متعة لها ، وإنما لها نصف الصداق المسمى . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا عبد الوهاب ، قال : ثنا عبيد الله ، عن نافع أن ابن عمر كان يقول : لكل مطلقة متعة ، إلا التي طلقها ولم يدخل بها وقد فرض لها ، فلها نصف الصداق ولا متعة المطلقة لها . حدثنا تميم بن المنتصر ، قال : أخبرنا عبد الله بن نمير ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر بنحوه . حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا ابن أبي عدي وعبد الأَعلى ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن سعيد بن المسيب في الذي يطلق امرأته وقد فرض لها ، أنه قال في المتاع : قد كان لها المتاع في الآية التي في الأَحزاب ، فلما نزلت الآية التي في البقرة ، جعل لها النصف من صداقها إذا سمي ، ولا متاع متعة المطلقة لها ، وإذا لم يسم فلها المتاع . حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا ابن أبي عدي وعبد الأَعلى ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن سعيد نحوه . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قال : كان سعيد بن المسيب يقول : إذا لم يدخل بها جعل لها في سورة الأَحزاب المتاع ، ثم أنزلت الآية التي في سورة البقرة : وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ فنسخت هذه الآية ما كان قبلها إذا كان لم يدخل بها وكان قد سمي لها صداقا ، فجعل لها النصف ولا متاع متعة المطلقة لها . حدثنا ابن المثنى